ابو القاسم عبد الكريم القشيري

21

لطائف الإشارات

« الرَّحِيمِ » الذي يقرّب من تقرّب إليه ، ويجزل البرّ لمن توسّل به إليه « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 218 ] الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) اقتطعه بهذه الآية عن شهود الخلق ، فإنّ من علم أنه بمشهد من الحقّ راعى دقائق أحواله ، وخفايا أموره مع الحقّ « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 219 ] وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) هوّن عليه معاناة مشاقّ العبادة بإخباره برؤيته . ولا مشقّة لمن يعلم أنّه بمرأى من مولاه ، وإنّ حمل الجبال الرواسي على شفر « 3 » جفن العين ليهون عند من يشاهد ربّه « 4 » . ويقال « تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ » بين أصحابك ، فهم نجوم وأنت بينهم بدر ، أو هم بدور وأنت بينهم شمس ، أو هم شموس وأنت بينهم شمس الشموس . ويقال : تقلبك في أصلاب آبائك من المسلمين الذين عرفوا اللّه ، فسجدوا له دون من لم يعرفوه . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 220 ] إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 ) « السَّمِيعُ » لأنين المحبين ، « الْعَلِيمُ » بحنين العارفين . « السَّمِيعُ » لأنين المذنبين ، « الْعَلِيمُ » بأحوال المطيعين .

--> ( 1 ) هذه الإشارة نموذج طيب لعبقرية القشيري عند صياغة ( وصاياه ) للمريدين من الناحيتين الصوفية والأدبية . ( 2 ) يقال إنه لما دخل ذو النون المصري بغداد اجتمع إليه الصوفية ، ومعهم قوال ، فاستأذنوا ذا النون أن يقول بين يديه شيئا ، فأذن له ، فابتدأ يقول ، فقام ذو النون وسقط على وجهه والدم يقطر من جبينه ولا يسقط على الأرض . ثم قام رجل من القوم يتواجد ، فقال له ذو النون : « الذي يراك حين تقوم » فجلس الرجل . ويعلق الشيخ الدقاق على هذه القصة بأن ذا النون كان صاحب إشراف على هذا الرجل ، وكان الرجل صاحب إنصاف حين قبل منه ذلك فرجع وقعد ( الرسالة ص 170 ) . ( 3 ) شفر الجفن - حرفه الذي ينبت عليه الهدب . ( الوسيط ) . ( 4 ) يربط النسفي بين هذه الآية وبين الآيتين السابقة واللاحقة ، فالمعنى عنده : أنه سبحانه ( يراك حين تقوم ) متهجدا ، ويرى ( تقلبك ) في المصلين ؛ يرى ما كنت تفعل في جوف الليل من قيامك للتهجد ، وتقلبك في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابك لتطلع عليهم من حيث لا يشعرون ، ولتعلم كيف كانوا يعملون لآخرتهم . وهو ( سميع ) لما تقوله ، ( عليم ) بما تنويه وبما تعمله ، وبذلك هوّن عليه معاناة كل مشقة حيث أخبر برؤيته له في كل ما يقوم به . ( تفسير النسفي ج 3 ص 199 ) ط عيسى الحلبي .